القرطبي

292

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

رجل ملكين يحفظانه ما لم يقدر ، فإذا جاء القدر خليا بينه وبين قدر الله ، وإن الأجل حصن حصينة ، وعلى هذا ، " يحفظونه من أمر الله " أي بأمر الله وبإذنه ، ف " من " بمعنى الباء ، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض . وقيل : " من " بمعنى عن ، أي يحفظونه عن أمر الله ، وهذا قريب من الأول ، أي حفظهم عن أمر الله لا من عند أنفسهم ، وهذا قول الحسن ، تقول : كسوته عن عري ومن عري ، ومنه قوله عز وجل : " أطعمهم من جوع " ( 1 ) [ قريش : 4 ] أي عن جوع . وقيل : يحفظونه من ملائكة العذاب ، حتى لا تحل به عقوبة ، لأن الله لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية حتى يغيروا ما بأنفسهم بالإصرار على الكفر ، فإن أصروا حان الأجل المضروب ونزلت بهم النقمة ، وتزول عنهم الحفظة المعقبات . وقيل : يحفظونه من الجن ، قال كعب : لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن . وملائكة العذاب من أمر الله ، وخصهم بأن قال : " من أمر الله " لأنهم غير معاينين ، كما قال : " قل الروح من أمر ربي " ( 2 ) [ الإسراء : 85 ] أي ليس مما تشاهدونه أنتم . وقال الفراء : في الكلام تقديم وتأخير ، تقديره ، له معقبات من أمر الله من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ، وهو مروي عن مجاهد وأبن جريج والنخعي ، وعلى أن ملائكة العذاب والجن من امر الله لا تقديم فيه ولا تأخير . وقال ابن جريج : إن المعنى يحفظون عليه عمله ، فحذف المضاف . وقال قتادة : يكتبون أقواله وأفعاله . ويجوز إذا كانت المعقبات الملائكة أن تكون الهاء في " له " لله عز وجل ، كما ذكرنا ، ويجوز أن تكون للمستخفي ، فهذا قول . وقيل : " له معقبات من بين يديه ومن خلفه " يعني به النبي صلى الله عليه وسلم ، أي أن الملائكة تحفظه من أعدائه ، وقد جرى ذكر الرسول في قوله : " لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر " [ الرعد : 7 ] أي سواء منكم من أسر القول ومن جهر به في أنه لا يضر النبي صلى الله عليه وسلم ، بل له معقبات يحفظونه عليه السلام ، ويجوز أن يرجع هذا إلى جميع الرسل ، لأنه قد قال : " ولكل قوم هاد " [ الرعد : 7 ] أي يحفظون الهادي من بين يديه ومن خلفه . وقول رابع - أن المراد . بالآية السلاطين والأمراء الذين لهم قوم من بين أيديهم ومن خلفهم

--> ( 1 ) راجع ج 20 ص 209 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 323 .